خطاب أبو مازن: البحث عن الحل المفقود بقلم/ رجب ابو سرية

الرسالة التي تضمنتها دعوة الرئيس ابو مازن لانتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة، كانت بالغة الدلالة والاهمية، ليس لأنها – اي الدعوة – بالضرورة تمثل قراراً اجرائياً سيتم تنفيذه، بل لأنها تمثل مفتاحاً لحل بدا أنه قد استعصى، ولأنها ايضاً قدمته رئيساً قوياً، قادراً على اتخاذ القرارات الحاسمة، وفي الوقت المناسب.

 

فالرئيس توجه للشعب مباشرة، مبدياً استعداده لتحمل مسؤولياته وصلاحياته، مؤكداً انه يوجد هناك أمل بالخروج من المأزق، وبوضع حد للمعاناة، فيما تضمنت رسالته دلالة ومعنى، لحركة حماس بالذات، التي اعتقدت لفترة بأن الحرص الذي أبداه الرجل وأكده اكثر من مرة، على عدم تجاوز ما يمكن أن يهدد الوحدة الداخلية، سيمنعه من اتخاذ مثل هذا القرار، حين لوّحت وأكثر من مرة، وفي كل المناسبات بأن مثل هذا القرار سيقود الى حرب أهلية. 

الساعات التي تلت دعوة الرئيس للانتخابات المبكرة، شهدت ردود فعل لم يسبق لها مثيل، من الضروري أن تكون دلالاتها قد وصلت الى الطرف الآخر، ومفادها ان الجمهور الواسع المؤيد للخطوة، لم يكن صامتاً الا على مضض، وأن الرئيس ذاته، كان يتحفظ طوال الوقت الذي مضى، على اتخاذ مثل هذه الخطوة، انما كان يتعرض لضغوط كبيرة، تدفعه بهذا الاتجاه، وقد اثبت رد الفعل الفتحاوي بالخصوص، ان إمكانات الحركة الجماهيرية وأدوات الرئاسة وحلفاءها الميدانية، هي امكانات قادرة ومؤهلة للردع، وأنه في حالة الذهاب بالسير على الحبل المشدود الى آخره، فإن الرئاسة وفتح لن تخسرا من أسوأ الاحتمالات فقط، بل ان الحكومة وحركة حماس ستخسران اكثر مما تعتقدان حتى هذه اللحظة. فإن اختارت حماس تكسير أواني اللعبة، فقد بات لديها ما تخسره. 

مع ذلك، وإضافة الى ما تضمنته الدعوة من رسائل ودلالات، فإن مجرد اثارة الجدل، حول دستورية الخطوة، لا يمكن الرد عليه بما استند اليه الرئيس من استشارات فقهية وحسب، تشير الى ان رئيس منظمة التحرير ورئيس السلطة، يمكنه أن يوصي بحل السلطة ذاتها، فإن الرد المناسب، يضمن لمن يعترض أن يلجأ الى ما كفله القانون الاساسي من اعتراضات تقدم الى اللجنة القانونية، ومن ثم الى هيئة القضاء. أي أن رفض الخطوة، والاعتراض على حق الرئيس في اتخاذها، له اطار واضح ومحدد، هو غير ذاك الذي يتم التلويح به، اي رفض الدعوة بالتمرد والنزول الى الشارع، او التهديد بالاقتتال. 

هناك ما يؤيد القول ان دعوة الرئيس ابو مازن، قد مثلت صفحة في حوار داخلي، بل محطة نوعية، نقلته من مستوى الجدل البارد، الى مستوى حاسم، يعيد التذكير، بقرار سابق، كان قد اتخذه الرئيس بالدعوة الى الاستفتاء، وكان من شأنه أن يقنع حماس بقبول وثيقة الأسرى التي تحولت بعد ذلك الى وثيقة الوفاق الوطني. 

من شأن هذه الخطوة، أن تدفع حماس الى اعادة التفكير، في خياراتها، بعد جولة رئيس حكومتها الخارجية، والتي على ما يبدو قد ساهمت في حسم خيارها، لصالح الاستمرار في سياستها الحالية، والإبقاء على حكومة هنية، وهذا ما اكده الرئيس في خطابه، حين اكد بوضوح ضرورة اخراج السلطة من لعبة المحاور الاقليمية، وكذلك الإقلاع عن وهم امكانية فك الحصار، بالاعتماد على بعض عواصم الممانعة الاقليمية. 

وليس في ذلك مصلحة سياسية بحتة للفلسطينيين، بل لأن في عكس ذلك تجاوزاً للواقع، الذي يقول ان الفلسطينيين ما زالوا تحت الاحتلال، وان تجاوز حركة حماس لمحددات اللعبة الديمقراطية، التي اوصلتها الى السلطة، فيه مغامرة كبيرة، فها هي تأثيرات الاحتلال، تؤكد قدرتها على اصطياد ما سبق وحققته حماس، باعتقالها لأغلبيتها البرلمانية. 

فيما كان من نتائج الحصار أن فقدت نفوذها في الشارع، اي انه لن يكون بمقدور حركة حماس الاستمرار في مناكفة ومعارضة، بل ومحاولة تغيير طبيعة النظام الذي جاء بها الى الحكم، وان ما تعتقده بأن صبر ساعة كفيل بأن يحقق لها كل رغباتها، ما هو الا وهم، وها هو الاحتقان البالغ في الشارع يؤكد هذا دون مواربة. 

لا شك ان دعوة الرئيس للانتخابات المبكرة، من حيث انها جاءت كدعوة، وليست كقرار، والدعوة موجهة الى الشعب، والى ممثليه من قوى ومؤسسات، اي انها تنطوي على اهمية التوافق بين هذه القوى، على هذه الخطوة، كمخرج، لا شك انها تضع حركة حماس تحت الضغط السياسي، حيث ان الهدف من هذا، هو دفعها لأن تختار بين ما هو سيئ وما هو اسوأ، من وجهة نظرها. 

ذلك ان ما هو جيد بالنسبة لحماس، اي بقاء الحكومة الحالية، واستمرار الوضع الراهن، هو امر غير محتمل بالنسبة للآخرين، لذا فإن على حماس، إن أرادت أن تكون جزءاً من النظام السياسي، جزءاً مقرراً، وإن أرادت الحفاظ على “مكتسباتها” السياسية، المتمثلة بأغلبيتها البرلمانية، فإن عليها أن تقدم “تنازلات”ØŒ من شأنها أن تعيد الاستقرار الى نظام الحكم – اي التوافق بين الرئاسة والحكومة – وأن تفك الحصار، عبر التوافق مع الشرعيات الفلسطينية، العربية والدولية. 

من هذه الزاوية، يبقى الباب موارباً، خاصة ان لجنة الانتخابات المركزية، قد اوضحت بأن هناك فترة ثلاثة شهور وعشرة أيام، تحدد موعد اجراء الانتخابات، بعد صدور المرسوم الرئاسي، وهكذا باتت الكرة في ملعب حماس، فإما القبول بوثيقة الوفاق ومحدداتها، وإما الذهاب الى انتخابات مبكرة. 

هناك اكثر من اشارة، تدعو الى التفاؤل، اي الى ان حماس لن تغامر بالذهاب الى انتخابات تخشاها، خاصة ان الذهاب اليها، لن تسبقه حكومة وحدة وطنية، تراهن فيها على إفشالها، او عدم المشاركة فيها، لتعود الى ما كانت عليه حالها قبل العام .2005 في الوقت الذي تؤكد فيه التجارب السابقة، كذلك تجارب أشقاء عرب في الجوار، بأن أطرافاً عربية ستتدخل لتمنع الذهاب الى الخيار المدمر، وهذا ما حدث أول من أمس في غزة. 

وكما يقول المثل، فإن “حمّ الموس” قد ظهر خلال ثمان وأربعين ساعة، بعد اعلان الرئيس دعوته للانتخابات المبكرة، وفي الوقت الذي يتم فيه تجاوز اللحظة الحادة، فإن اية عودة للحوار، ستبدأ مما هو موجود الآن على الطاولة، فإما الموافقة على تشكيل حكومة تتوافق مع الرئاسة، وإما العودة الى الشعب، الرسالة واضحة الدلالة، والحسم بات بانتظار قراءة صحيحة، ممن تلقاها على الطرف الآخر. 

Check Also

Cairo seeks Gaza truce, prisoner deal: diplomats

JERUSALEM/GAZA  – An Egyptian proposal to stabilize post-war Gaza calls for an extended truce between …