حتى لا تتحول وزارات حكومة الوحدة الوطنية إلى معسكرات للفصائل

6957686663.jpgحتى لا تتحول وزارات حكومة الوحدة الوطنية إلى معسكرات للفصائل

بقلم / د. سمير محمود قديح
باحث في الشؤون الأمنية والإستراتيجية

لا يستطيع احد تجاهل فرحة شعبنا بتشكيل حكومة وحدة وطنية كما لا يستطيع احد تجاهل التحديات الداخلية والخارجية التي تواجه الحكومة ، وهى تحديات قائمة لا نستطيع الاستهانة بها في غمرة الفرح الفلسطيني العارم بعد تشكيل الحكومة والاستبشار برفع الحصار وتحقيق مصالحة وطنية داخلية وإنهاء بؤر التوتر في العلاقة بين فتح وحماس .

وقبل كل شي لا بد أن نذكر الجهود المباركة للرئيس القائد أبو مازن الذي أصر منذ بداية الأزمة على أن يكون الحوار هو سبيلنا الوحيد وان الوحدة الوطنية هي غايتنا وتحمل مع كبار مساعديه ورجاله أوزار هذا الموقف الوطني الذي سيسجله التاريخ بأحرف من نور عندما قرر الرئيس أبو مازن بان لا صوت يعلو فوق صوت الحوار , ولا سبيل إلا الوحدة الوطنية , فأثبت انه الأكثر حرصاً على الوحدة الوطنية والأكثر شعوراً بمعاناة شعبنا , فتحقق الانجاز التاريخي بفضل حكمته وصبره وصبر مساعديه على الأذى فترفعوا عن الصغائر حتى شاهدنا على شاشة التلفاز مشهداً وطنياً لا ينسى عندما أدى وزراء الحكومة القسم أمام الرئيس أبو مازن بغزة وبحضور الأخ الطيب عبد الرحيم برام الله , فكانت رسالة أثلجت صدور شعبنا زفت البشرى وأثبتنا للعالم بهذه القيادة الحكيمة أننا شعب يستحق الحياة والدولة المستقلة .

ولا بد من الإشارة والتذكير إلى أن حكومة الوحدة الوطنية الممثلة لغالبية الفصائل تتحمل الآن المسؤولية كاملة بان تخرج شعبنا من الأزمة بأدائها وحسن تصرفها داخلياً وخارجياً في ظل المرجعية الشرعية الفلسطينية العليا ممثلة بالرئيس أبو مازن والقيادة الفلسطينية .
وما تزال العقبات موجودة أمام الحكومة والتحديات كثيرة وعلى رأسها الموقف الدولي والاسرائيلى والأمريكي من التعامل مع الحكومة ولا سيما أن إسرائيل تلوح باجتياح قطاع غزة خلال الشهور القادمة , وهذا الاجتياح الكامل أو اجتياح لمناطق واسعة في قطاع غزة يتوقف على كيفية تعامل الحكومة مع الموقف الدولي , فان نجحت في التكيف فسيكون هناك مجال وفرصة لإنقاذ شعبنا من ويلات هذا الاجتياح , أما إذا أخذت الحكومة على عاتقها انتهاج سياسة العنتريات فشعبنا سيدفع ثمناً باهظاً .

وفى الشأن الداخلي أمام الحكومة تحديات أخرى في التعامل مع ملف ضحايا الاقتتال الداخلي خلال الأحداث المؤسفة التي شهدها قطاع غزة خلال الفترة الماضية ، ومحاولة بعض ذوى ضحايا الاقتتال الأخذ بالثأر , وهذه مسألة يجب أن نتوقعها في أي وقت وبدون سابق إنذار , والمطلوب من الحكومة أن تولى هذا الملف الاهتمام الكافي لمعالجته بحكمة وبكل الوسائل الممكنة لتهدئة الخواطر ونزع فتيل فتنة قد تشتعل في اى لحظة ، لان حكومة الوحدة الوطنية تجب ما قبلها سياسياً وفصائلياً ولكن على مستوى ضحايا الاقتتال وعائلياً ستكون الأمور مختلفة , فالنار تحت الرماد وكلنا ثقة بأن الحكومة ستتعامل مع هذا الموضوع بحكمة حتى لا تنجرف فصائل وراء دعوات المطالبة بالثأر وأن تحاصر هذه الحالات بعلاج شافي يبدل الأحقاد بالتسامح .
وفى تجربة شعبنا مع الفصائل وهى تجربة بلا شك مخيبة للآمال لأن الفصيل عادة يغلب مصلحته الحزبية الضيقة على المصلحة العليا مما يلحق الضرر الفادح بوزارات ومؤسسات السلطة عندما يحتدم الصراع على التعيينات لكل فصيل نجد أن بعض الفصائل تستنفر جهودها وإمكاناتها في التجييش بالوزارات وإصدار قرارات بتعيينات تعتمد على الولاء للفصيل أو الوزير أولاً ثم المصلحة العليا عاشراً , فنجد رئيس القسم يقفز قفزة في الهواء وظيفية ليعين مديراً عاماً أو وكيل وزارة , وهذا لا يحصل في أي بلد في الدنيا , ونذكر أن الرئيس أبو مازن اعترض وبشدة على هذا التجييش الغير مبرر ولم يكن اعتراضه على الو لاءات والانتماءات وإنما على مخالفة اللوائح والقوانين في الترقيات والتعيينات واجتهد الدكتور رفيق الحسيني طوال الفترة الماضية في شرح أبعاد مثل هذه التعيينات على السلم الوظيفي وإلحاق الظلم بمن يستحقون ترقيات وبمن يستحقون تعيينات.

إن من حسنات حكومات فتح المتعاقبة منذ إقامة السلطة أن هذه الحكومات فتحت باب التعيين على مصراعيه أمام كافة المواطنين بمختلف انتماءاتهم السياسية أو بدون انتماء سياسي , لقد عينت من فتح وحماس والفصائل ومن المواطنين بدون انتماء سياسي , بل أن نسبة كبيرة ممن حصلوا على تعيينات في وزارة السلطة ومؤسساتها وأجهزتها الأمنية بلا انتماء سياسي , ورافق هذه التجربة بعض السلبيات ولا ننكرها بوجود محسوبية ولكن لم يسجل على حكومات فتح المتعاقبة والحق يقال وللتاريخ أنها انتهجت سياسة فئوية حزبية ضيقة في التعيينات .

وما نخشاه الآن أن تعمل بعض الفصائل على تحويل الوزارات إلى دويلات مستقلة قائمة بحد ذاتها وأن ترفع كل وزارة تابعه لفصيل ما علم خاص ونشيد وطني خاص وحرص شرف خاص , فتتلون الوزارات بألوان الأعلام الفصائلية التي نشاهدها في المسيرات حيث نجد كل الأعلام مرفوعة مع الأسف الشديد ما عدا علم واحد وهو علم فلسطين الغائب الوحيد في المسيرات .
وما نعنيه أن أي زير من أي فصيل يجب أن لا يعتقد أن فصيله أمم الوزارة فتحولت إلى جزء من ممتلكات الفصيل , وان مرجعيته أمينه العام أو رئيس حركته وليس رئاسة السلطة ، وأن يعود مكتب الرئيس مجدداً إلى دوامة التعيينات غير القانونية , فننشغل بهذه القضية مجدداً على حساب تحديات خطيرة تواجه الشعب الفلسطيني .
وان لم يحصل ما نتوقعه فعلينا أن ننبه أيضاً على مبدأ المساواة بين الموظفين وكوادر الوزارة حتى لا يتكرر شعور بالظلم داخل الوزارات بان نجد رئيس قسم المستشار الخاص للوزير وكاتم أسراره ووكيل وزارة آخر لا يعلم , وتعيينات الأقارب وربما الأشقاء , فيصبح المرافق هو نائب الوزير ومن يحل محله في كل صغيرة وكبيرة ويفتى في كل شؤون الوزارة بعلم أو بدون علم وتهميش أصحاب الاختصاصات وكبار موظفي الوزارة . هذه القضايا مشاكل لها انعكاسات خطيرة على معنويات الموظفين وأدائهم بشعورهم بالإحباط والظلم .

نأمل أن تكون الحكومة على قدر المسؤولية التاريخية , وان حصل أي تجاوز من التجاوزات التي ذكرناها في مقالنا أعلاه يفترض أن تحاصر هذه التجاوزات ويتم تصحيحها في وقت مبكر قبل أن يستشرى الخطأ في بعض الوزارات وان يشعر المواطن العادي بلا انتماء لأي فصيل بأن هذه الحكومة وجدت لخدمته وليست مخصصة لخدمة هذا الفصيل أو ذاك .
ونأمل أن نسمع في الشارع لغة جديدة بأن الوزير الفلاني وزير … فلسطيني لوزارة كذا وليس وزيراً من فصيل كذا وكذا , ويتحقق هذا عندما يشعر المواطن العادي أن الوزير يترك انتمائه الحزبي في مقر الحزب ويدخل إلى وزارته وزيراً يمثل كل الفلسطينيين .

Check Also

Cairo seeks Gaza truce, prisoner deal: diplomats

JERUSALEM/GAZA  – An Egyptian proposal to stabilize post-war Gaza calls for an extended truce between …